الرئيسية / قراءة في كتاب / المدخل إلى عالم الإستخبارات : مشروعية العمل الأمني والإستخباراتي في الإسلام

المدخل إلى عالم الإستخبارات : مشروعية العمل الأمني والإستخباراتي في الإسلام

مشروعية العمل الأمني والاستخباراتي

“تعجُّ السيرة النبوية بالتدابير الأمنية والأعمال الاستخبارية، حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته بمرحلة سرية تقتضي حِسّا أمنيا عاليا. تتجلى أولا في تكتيكات التجنيد التي تنطلق من دراسة دقيقة عن الأشخاص تحدد توفُّرَ شروط الكتمان وحفظ الأسرار في كل مجند عل حدة، ثم جاء بعد هذه الخطوة تكتيك أمني رفيع يسمى “بالبيت الآمن “، وذلك بعد أن استجاب للدعوة عدد يربو على الثلاثين. الأمر الذي استلزم ضرورة توفير مكان آمن والذي تمثل في دار الأرقم، تجتمع فيه القيادة مع المجندين الجدد، تعلمهم أمر دينهم وتوجههم نحو الخطة الاستراتيجية المرسومة.
تلى ذلك تطور في التكتيك الاستخباري، حيث ازداد عدد الأعضاء فاحتاج الأمر إلى تقسيم التنظيم إلى عدة خلايا صغيرة يتراوح أعدادها ما بين الثلاثة والخمسة، تجتمع يوميا، أو دوريا، وفي أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة، وذلك بغرض التدريب والإعداد والتأهيل.
ومع انتقال الدعوة من السرية إلى العلنية، تطور الأسلوب الاستخباري النبوي بما يتناسب مع المرحلة، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم وفدا من خيرة المجنَّدين إلى الحبشة التي تعد ملاذا آمنا يحافظ فيه الصحابة على أنفسهم ويدعون إلى ربهم ويتخذونه للتدريب والإعداد. وحيث بدأ تنظيم الاجتماعات السرية الأمنية الـمُحكمة لأخذ البيعات من الأتباع الجدد وتأسيس الخلايا في كافة ربوع الجزيرة العربية، كما حصل في بيعة العقبة الأولى والثانية التي بايع فيها الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن الهجرة النبوية بعد ذلك تعد تكتيكا استخباريا رفيعا، يقتضي الانتقال بشكل أمني إلى أرض حليفة مهيَّأة أن تكون قاعدةً صلبة للإعداد ومنطلقا لحرب العصابات والفتوحات نحو مكة ثم كل الجزيرة العربية.
ثم في الحقبة المدنية مع تطوّر مراحل الحرب ظهرت العديد من الأساليب الأمنية الجديدة نذكر منها:
– بعث الجواسيس أو العيون بين صفوف العدو، كما كان العباس رضي الله عنه في مكة يرفع للنبي صلى الله عليه وسلم خطط القرشيين ومؤامراتهم ومكائدهم قبل حصولها، وبسرعة مثالية مقارنة بالمواصلات التي كانت في ذلك العهد. وكما كان صلى الله عليه وسلم له عيون في العديد من القبائل العربية وبخاصة خُزاعة، وله عين جائلة وهو سيدنا حسيل بن نوفل بن نويرة رضي الله عنه، بل حتى بلاد فارس والروم لم تخل من عيون لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
– التورية وبث الإشاعة المغالطة، كما حصل في غزوة بدر حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير ليلا ويستخفي نهارا، ويوري عن مكان الهدف فيسأل عن مياه وآبار غيره من المناطق، وكما حصل في الهجرة لما رد صلى الله عليه وسلم على الأعرابي الذي سأله من أين أنتم، فقال: نحن من ماء.
– حماية الشخصيات المهمة، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يشكلون وحدة حماية خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما تجلى في غزوة أحد التي استشهد فيها ثلة كبيرة من الصحابة وهم يذودون عن قائد الدعوة.
– اغتيال كوادر العدو، وقصة اغتيال اليهوديان أبي رافع وكعب بن الأشرف شهيرة معروفة، حوَت العديد من التكتيكات الأمنية المحكمة، يأتي على رأسها: الاحتيال على الهدف واستدراجه، التسلل بطريقة سرية إلى عمقه، الغطاء أو الساتر الآمن وهو قصة التمويه التي اخترعها المنفذون للتحرك…الخ.
– التحقيق الاستخباري، كما فعل علي رضي الله عنه مع المرأة التي كانت تحمل كتاب حاطب بن أبي بلتعة، حيث تدرج معها في التحقيق إلى أجبرها على الاعتراف بالتهديد: ” لتخرجن الكتاب أو لنلقينّ الثياب”
– الرسائل المكتومة المؤقتة، وقد ظهر هذا التكتيك جليا في سرية النخلة التي استهدفت قافلة لقريش، حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في رهط من المهاجرين وزوده برسالة مغلقة وأوصاه ألا يفتحه إلا بعد ليلتين من المسير حتى لا تتسرب الخطة قبل ذلك.
ومن خلال سردنا الموجز لتاريخ ظهور التدابير الاستخبارية سواء أكان ذلك في الفترة المكية أو المدنية.. تجلّى لنا أن المهارات الأمنية لم تكن غائبة أبدا خلال هاتين الفترتين من تاريخ الإسلام، ويكاد القارئ يحسُّها في كل حركة من حركات رسول الله صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، في حربه وسلمه. وتعد المهارات الأمنية في هذه الحقبة معينا لا ينضب لكل باحث ومنقب في مجال الأمن والمخابرات، وهي مادة خام تحتاج إلى إخراج وتشكيل وفق معطيات ومصطلحات علم الأمن المعاصرة.
ولم يكن وجود المهارات الاستخبارية مقصورا على العهد النبوي فقط، بل كان وعلى نفس الوجود ونفس المناهج والأساليب والوسائل الأمنية، كان موجودا على نهج الخلفاء الراشدين وقد أشارت إلى ذلك كتب التاريخ والسيرة.”
لذلك تأسيا بسيرة قائدنا الأعظم وأتباعه الكرام ينبغي على الثوار والمجاهدين أن يطلبوا هذا العلم ويستزيدوا منه، فإن طلب العلوم الاستخبارية يدخل في باب إعداد العدة واكتساب القوة، وقد قال تعالى: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ركاب الخيل..”، وقال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف”. ويدخل كذلك في باب الحذر الذي أمرنا الله تعالى به في قوله: “يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم..”، وكما ورد في الأثر: ” المؤمن كيّسٌ فطنٌ حذر”.
وإن طلب علمِ الأمن والاستخبارات فرضٌ كفائي على المسلمين، يسقط عنهم بطلب البعض له، البعض الذي يحقق كفاية الحاجة، ويأثمون جميعا بتركه. وهو واجب كوني لا ينبغي التفريط فيه، وذاك أن الضعف في الجانب الأمني قد يكون سببا في انحراف الجماعة أو هلاكها، وهو ما لا يرضاه الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما ينبغي التنبيه إلى ضرورة التبصّر بالأحكام الفقهية المتعلقة بالعمل في هذا المجال، حتى لا ينقلب المسلم قاطعا للطريق من حيث لا يدري تحت شعار: “الغاية تُبرِّرُ الوسيلة”؟
********

عن عمر الشافعي

شاهد أيضاً

على ثرى دمشق_التاريخ المنسي

الحملة الإعلامية المسعورة تناقلت وكالات الأنباء العالمية والإذاعات أخبار العملية على الفور دون تحديد نوعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *