الرئيسية / تحليل / دراسة تحليلية لانفجار ميناء بيروت

دراسة تحليلية لانفجار ميناء بيروت

يُعد ميناء بيروت من المرافئ الكبرى على شاطئ المتوسط إضافة لكل من ميناء مرسين في تركيا و حيفا في فلسطين المحتلة و مينائي طرطوس و اللاذقية في سوريا إلا أن هذان الأخيران لم يكونا في قائمة الموانئ المتنافسة طيلة السنوات الماضية لتهالك معداتهما وصغر الأحواض نسبياً التي لا تستطيع استقبال سفن تجارية ضخمة أو ما تسمى بالعملاقة ،
لذلك كانت معظم السفن العملاقة المحملة البضائع ترسو أو تفضل ميناء بيروت لحداثته النسبية مقابل الموانئ السورية، وقد ساعدت عدم رغبة النظام السوري في تحديث مينائي طرطوس و اللاذقية وعدم تشكيل وإنشاء نقابة او تجمع للوكالات البحرية في ازدهار مينائي بيروت و طرابلس في لبنان.
إلا أن ميناء بيروت كان له الحظ الأوفر في ذلك نظراً لتمكن حزب الله اللبناني من السيطرة عليه في العقدين الأخيرين ؛ ليصبح الميناء من ضمن مناطق نفوذ الحزب الفعلية ولكن الغير معلنة ؛ وذلك بعد أن استطاع تيار المستقبل من السيطرة على ميناء طرابلس وذلك بموجب الثقل الديموغرافي للمناطق في لبنان.
ولعب مرفأ بيروت دور الرئة الاقتصادية للنظام السوري لفترات طويلة من الزمن وذلك في ظل موجات متعاقبة من العقوبات الاقتصادية عليه خاصة إبان الثورة السورية ؛ فكان ذلك الميناء بمثابة متنفس اقتصادي حيوي للنظام السوري عبر حليفه حزب الله صاحب النفوذ الأوسع ضمن سلطات الميناء ومن خلفهم إيران الساعية دوماً لإيجاد موطئ قدم على شواطئ المتوسط وذلك ضمن لعبة استراتيجيا الجغرافية
وما حدث مع ميناء بيروت بالأمس سواء أكان قضاءً وقدراً أم أنه بفعل فاعل فإنه يُعتبر فرصة مواتية لكثير من القوى الإقليمية والدولية وحتى المحلية اللبنانية للاستفادة القصوى من تبعات هذا الحادث الرهيب فالسلطات اللبنانية ومن خلفها القوى اللبنانية المتناحرة ستعتبرها فرصة غير قابلة التكرار لِلَفت أنظار العالم للأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان وباقتصاده المتهالك ولجلب أكبر قدر ممكن من المساعدات الاقتصادية التي يبحث عنها لبنان منذُ أشهر دون أن يجد آذاناً صاغية من محيطه العربي والدولي مع الأخذ بعين الاعتبار أن عبئ التدفق التجاري سيقع على عاتق ميناء طرابلس ولكن هذه المرة دون تحقيق أي منافع مادية لحزب الله و النظام السوري ومن ورائهما ايران؛
وذلك لحين إعادة تأهيل مرفأ بيروت ووضعه بالخدمة مرة أخرى ولكن مع إعادة تقييم وتقسيم النفوذ عليه وفق شروط القوى المانحة والدائنة.
ويبدو أن عملية إعادة التأهيل لن تكون ضمن فترة قصيرة في غياب الاستقرار السياسي أصلاً والذي بدأ بالظهور قُبيل الحادث وبُعيدَه من استقالة وزير الخارجية إلى استقالة مروان حماده من المجلس النيابي وما سيتبع ذلك من استقالات ربما وصولاً باستقالة الحكومة.
وفي حال ترجيح فرضية أن الحادث تم تدبيره من جهة ما؛ فيكفي تذكر قاعدة أهمية المعلومة في العلوم الأمنية وعالم الاستخبارات فمهما صَغُرت المعلومة فهي بمثابة قاعدة صلبة يتم البناء عليهما في عمل الاستخبارات.
وبوجود وثائق ومراسلات بين إدارة مرفأ بيروت والجهات القضائية تتضمن معلومة وجود هذه الكمية الهائلة من نترات الأمونيوم في المرفأ؛ ذلك يعني بالضرورة أن هذه المعلومة وصلت لعدد كبير من أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية وخاصة أن لبنان يعد مسرحاً لنشاط مئات أجهزة الاستخبارات الدولية
فها هي الفرصة المناسبة لخطف الأوراق وإعادة تدوير الزوايا.
فمن الدول من يريد استباق صدور الحكم في اغتيال رفيق الحريري وهناك من يريد قطع الذراع الاقتصادي للحزب في لبنان وهناك من يريد معاقبة النظام السوري وإيران ؛ وثمة من يريد شد حبل قانون قيصر أكثر حول رقبة النظام السوري ومعاقبة الحزب على تصريحاته أنه يبقى داعماً اقتصادياً النظام.
وهناك من يريد توجيه الأنظار لمرفأ طرطوس وخاصة بعد استيلاء روسيا عليه لمدة 99 عاماً وخاصة أنه هو الموازي لمرفأ طرابلس وهناك من يريد دعم الدولة اللبنانية لفترات ليست بالقصيرة.
وهناك من يريد دعم لبنان اقتصادياً للتخلص أو لتأخير انهياره الاقتصادي ولكن بجدول شروط يضمن بقاء وترسيخ المصالح والسيطرة
كل ذلك وارد الاحتمال ؛ فعالم الاستخبارات ونشاطه لا يعرف حدود ولا شواطئ.
فرضية القضاء والقدر واردة، وأيضاً فرضية العمل الاستخباراتي كذلك؛ وفي هذه الحالة لا يمكن لدي المتابع أن ينتظر شيئاً وافياً من نتائج تحقيق السلطات اللبنانية فهو في أقصى درجاته سيُحمل بعض الإداريين والقضاء جزءاً يسيراً من المسؤولية تحت بند (الإهمال في الوظيفة العامة )لتبقى الحقيقة في صفحات الملفات السرية لأجهزة الاستخبارات ووكالاتها العالمية.
وتبقى المفارقة الغريبة هي أن دونالد ترامب الوحيد الذي وصف الحادث بالهجوم الفظيع أو المُريع وذلك لتسول بعض جنرالاته كما ذكر.
الحدث يُعتبر هدفاً اقتصادياً هاماً بالمعنى السلبي ؛ فالحزب سيُحرم من اكبر موارده المالية الغير شرعية (التهريب) لفترة غير قصيرة ؛ ومن خلقه ايران والنظام السوري.
وبالنسبة لروسيا ستستغل الحدث بكل طاقتها في محاولة منها لتخليص النظام السوري اقتصادياً من مرافئ الحزب و إيران ؛ فها هو مرفأ طرطوس تم تجهيزه تحت الوصاية الروسية فلتكن تجارات النظام وعصابته عبر هذا المرفأ ؛ ولا مانع من بعض تجارات إيران السرية تحت أعين روسيا وبما يتوافق مع مصالحها.
والحكومة اللبنانية لن تحصل على أكثر من مساعدات طبية وإنسانية ومشافي ميدانية وذلك لحين نضوج الشروط والضغوط التي ستفرض على الدولة اللبنانية مقابل ديون أو هبات مادية نقدية.

عن عمر الشافعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *